محمد حسين علي الصغير
177
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
والقدر الجامع بين تعريفي السكاكي والقزويني هو غاية هذا العلم في مراعاة الكلام لمقتضيات الحال ، وهو أمر بلاغي ، لا علاقة له بتوجهها النحوي في تبويب مباحث المعاني غالبا إذ مهمة المعاني عندهما مراعاة المقال لمناسبة الحال ، فلا تكلم العالم بلغة الجاهل ، ولا السوقي بلهجة البدوي ، ولا تضع الظاهر موضع المضمر ، ولا المخاطب مكان المتكلم ، ولا من حقه التعريف منكرا ، ولا من موقعه التقديم مؤخرا ، وهو ما يختلط به علم المعاني بعلم البيان بوجه من الوجوه ، لأن مقتضيات الحال تجري في التشبيه والاستعارة والمجاز والتمثيل والكناية كما تجري في قضايا الإسناد وموارد الخبر والإنشاء وسواهما ، ولكن علم البيان يخرج هنا لأن البحث فيه لا عن أحوال اللفظ من حيث تقديمه وتأخيره ، أو تعريفه وتنكيره ، أو قصره وحصره ، أو حذفه وإثباته ، وإنما عن تأدية المعنى الواحد بصور متعددة وبقوالب مختلفة كما هو تعريفه . أما بالنسبة لسبق السكاكي لمصطلح علم المعاني وكونه أول من قسم البلاغة إلى معان وبيان ومحسنات فهنا تجب الإشارة إلى أن جار اللّه الزمخشري ( ت : 538 ه ) قد ذكر مصطلحي علم البيان والمعاني نصا في حديثه عن آداب التفسير فقال : « ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما علم المعاني وعلم البيان . . . » « 1 » . وهذا ما حدا بالدكتور شوقي ضيف أن يعد الزمخشري أول من ميز بين المصطلحين ، وقسم البلاغة إلى علمين هما المعاني والبيان « 2 » . وجاء فخر الدين الرازي ( ت : 606 ه ) فتحدث عن الخبر متعرضا لذكر مصطلحي المعاني والبيان تصريحا فقال : « ولكن الخبر هو الذي يتصور بالصورة الكثيرة ، وتظهر فيه الدقائق العجيبة والأسرار الغريبة من علم المعاني والبيان » « 3 » .
--> ( 1 ) الزمخشري ، الكشاف : 1 . ( 2 ) شوقي ضيف ، البلاغة : تطور وتأريخ : 221 . ( 3 ) الرازي ، نهاية الإيجاز : 36 .